الياس شوفاني

215

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

وأنصفوه كما لم يفعلوا مع غيره في الشرق . لقد أعجبوا بصفاته ، فاستحوذ على خيال الشعراء والكتّاب ، كرمز للفروسية والمروءة والنبل . ومثل الكثيرين من الرجال العظام في التاريخ ، مات صلاح الدين وترك وراءه فراغا ، لم يكن بين ورثته من يملؤه ، وتصارع الإخوة والأبناء بشأن اقتسام التركة المادية الكبيرة ، من دون اكتراث بالإرث المعنوي . وصار الجهاد بالنسبة إليهم مسألة سياسية دنيوية ، كما هي الحال بالنسبة إلى الفرنجة في الحملات المتعددة اللاحقة . فالحملة الرابعة كانت موجهة لاحتلال القسطنطينية ، والخامسة والسابعة ضد مصر . وفقط السادسة كانت لها علاقة ما بفلسطين ، وانتهت إلى تغيير بعض بنود المعاهدة التي أمضاها صلاح الدين مع ريتشارد قلب الأسد . وكانت هناك حملات عبثية - حملة الأطفال الذين بيعوا عبيدا في سوق النخاسة ، وحملة الرعاة الذين قتلوا في أوروبا . . . إلخ . كما قام البابا بحملات ضد ملك إنكلترا وصقلية . وهكذا ظلت الحروب الصليبية مستعرة ، ولكن خارج فلسطين ومن دونها . وتقاسم أبناء صلاح الدين وإخوته تركته ، واختلفوا عليها واقتتلوا من أجلها ، وانتقلت الولايات من يد إلى أخرى . فوقعت فلسطين بداية في يد الابن البكر ، الأفضل الذي احتفظ بدمشق وبعلبك والساحل وفلسطين ، ما عدا الشريط الصليبي بين صور ويافا . ثم ما لبثت أن انتقلت إلى يد العزيز ، الابن الذي احتفظ بداية بمصر . وخلال عام انتقلت إلى العادل ، أخي صلاح الدين الذي أخذ الأراضي التابعة للأفضل ، ثم بعد موت العزيز ، أخذ مصر كذلك ، ودمشق ، بعد قتال مع أبناء أخيه . وبذلك أصبح العادل رجل بني أيوب ، بعد صلاح الدين . وبهذه الصفة تولى إدارة الصراع مع الصليبيين ، الذين لم يتوقف تدفقهم على الشرق ، بصورة أو بأخرى . وفي أيام العادل برز الصليبيون الألمان ( التيوتون ) ، يحملون مشروع الإمبراطور هنري السادس ( 1190 - 1197 م ) ، في حين اعتبروا أنفسهم غير ملزمين بالمعاهدات المعقودة سابقا . وهذا التنظيم الألماني ( التيوتوني ) ، الذي تشكل أيام حصار عكا ( 1189 - 1191 م ) ، خرق الهدنة بين الأيوبيين وملك عكا ( أورشليم اسما ) ، فقاتلهم العادل وهزمهم بالقرب منها . ثم اصطدم مع ملك عكا ، آموري الذي كان يعد لاحتلال بيروت ، فهزمه في معركة تل العجول ( قرب غزة ) ، سنة 1197 م . وردّا على الهزيمة ، احتل آموري ، بمساعدة الألمان ، بيروت ( 1197 م ) . فأوجد بذلك تواصلا مع طرابلس وأنطاكيا . ثمّ حاول التيوتون التوسع شرقا ، فحاصروا تبنين ( جنوب لبنان ) ، ثم انسحبوا عندما وصلهم خبر وفاة هنري السادس . وبعدها توقف الطرفان عن القتال ، بعد أن